محمد بن محمد ابو شهبة
20
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
به وفيما وصفوه مما يخلّ بالنبوة ، أو يخدشها ؛ لأننا نعتقد أنه نبي ورسول ، وكل الصيد في جوف الفرا . ومما يزيد الضوء والتوضيح لما أريد أن الفاروق الملهم العبقري ، وصاحب الموافقات « 1 » ، والذي قال فيه النبي « إن اللّه جعل الحق على لسان عمر وقلبه » « 2 » كان كثيرا ما يبدي رأيا ، ويبدي رسول اللّه رأيا ، فإذا به يعود إلى رأي رسول اللّه مذعنا مقتنعا ، فمن ذلك أنه لما عرض على النبي أن يقتل رأس النفاق ابن أبيّ بعد ما كاد يثير فتنة بين المهاجرين والأنصار قال له النبي : « وكيف يتحدّث الناس - يا عمر - أن محمدا يقتل أصحابه » ؟ ! ! ثم كان من المؤمن الصادق عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبيّ أن جاء إلى النبي يعرض عليه قتل أبيه فقال له : « لا بل نترفّق به ، ونحسن صحبته ما دام بيننا » ! ! وصار من أمر رأس النفاق أنه كلما أبدى لونا من ألوان النفاق لامه قومه وعنفوه ، فأراد أن يبين الرسول لسيدنا عمر بعد نظره ، وأصالة رأيه لمّا أبى على عمر قتله فقال : « كيف ترى يا عمر ؟ أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي لأرعدت له انف ، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته » ! ! فقال عمر : قد - واللّه - علمت لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعظم بركة من أمري ! ! . وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة قال الفاروق عمر : دعني يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق ، وما كان - علم اللّه - منافقا ، فقال له النبي : « وما يدريك يا عمر لعل اللّه اطّلع على أهل بدر ، فقال لهم : افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ذنوبكم » ! ! فإذا عمر يبكي بعد أن تبين له الحق ، فيقول : « اللّه ورسوله أعلم » ! ! وسيدنا عمر هو القمة في العبقرية ، ولكن أين العبقرية من النبوة ؟ ! ومن العجيب حقا أن هذا المعنى الدقيق سبق إلى العلم به العباس عم
--> ( 1 ) كان الفاروق عمر يرى الرأي ويتمناه فينزل الوحي بموافقته . ( 2 ) رواه أحمد وغيره .